محمود فجال
126
الحديث النبوي في النحو العربي
نعم وقف فريق من النحاة موقفا يتسم بالشدة والعنف تجاه القراء ، قال « أبو الفتح » في « الخصائص » 1 : 73 : « ولم يؤت القوم في ذلك من ضعف أمانة ، ولكن أتوا من ضعف دراية » . ومع كل هذا لم يصرفوا أنفسهم عن الاستشهاد بالقرآن ، وهذه المؤلفات النحوية بين أيدينا شاهد صدق على صحة ما ذهبت إليه . أما الحديث النبوي فالقدامى لم يستشهدوا به في مسائل النحو والصرف . وعندي أن سبب ذلك يعود لعدم تعاطيهم هذا العلم ، ولعدم ممارستهم إيّاه ، كما أفاده « محمد بن الطيب الفاسي » - 1170 ه ، شيخ « الزبيدي » صاحب « تاج العروس » ، لذا نجد الإمام « ابن مالك » يكثر الاستشهاد بالحديث ، وما ذلك إلا لأنه أمّة في الاطلاع على علم الحديث « 1 » . أما التحرز الديني ونظرة التنزيه والتقديس فغير وارد البتة ؛ لأننا مأمورون بفهم القرآن والحديث ومعاطاتهما . وأما تعليل المتأخرين من أن سبب انصراف القدامى عن الاحتجاج بالحديث يعود إلى الرواية بالمعنى ، واللحن في المتن ، فتعليل فيه وجهة نظر إلى حدّ ما ؛ فقد ذهب فريق من العلماء إلى جواز الرواية بالمعنى ، وقد قال « سفيان الثوري » : « إنما نحدثكم بالمعاني » ومنعها فريق آخر . أما اللحن في المتن ، فقد وردت نصوص مرفوعة للنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - تخالف تعابيرها ما شاع من استعمال البصريين ، كحديث : « إن قعر جهنم سبعين خريفا » ، وحديث : « إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون » ، وحديث : « كل أمتي معافى إلا المجاهرون » ، في بعض الروايات ، وغيرها من الأحاديث . فتوهّم من لا دراية له بلهجات العرب ولغاتها أنه لحن . ونحن لا نعذر القدامى في عدم احتجاجهم بالحديث ، ولكن عدم ممارستهم لهذا الفن الجليل صرفهم عن الاحتجاج به . وفاقد الشيء لا يعطيه . واللّه أعلم . * * *
--> ( 1 ) « بغية الوعاة » 1 : 134 .